“قوة الواجب” وصفقة أوباما ونتنياهو ضد إيران
ما أن أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما أواخر يناير / كانون الثاني عن نشر منظومات دفاعية متطورة في منطقة الخليج ، إلا وسارع البعض للتحذير من أن الحرب على الأبواب بين إيران من جهة وإسرائيل وأمريكا من جهة أخرى .
ويبدو أن التحذير السابق يستند لعدد من الأمور من أبرزها فشل محادثات فيينا بعد رفض إيران اقتراح تخصيب اليورانيوم بالخارج ، هذا بالإضافة لاحتدام الأزمة الداخلية الإيرانية منذ فوز الرئيس محمود أحمدي نجاد بولاية جديدة .
وهناك أيضا التقارير والتصريحات التي خرجت من داخل إسرائيل وأمريكا مؤخرا وأشارت صراحة إلى اقتراب موعد الضربة العسكرية ، ففي 9 يناير الماضي ، كشفت مصادر مطلعة في تل أبيب عن اعتزام إسرائيل توجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية قريبا ، مشيرة إلى تكثيف مناوراتها العسكرية والجوية والمدنية فى الآونة الأخيرة.
ونقلت الإذاعة الإسرائيلية عن تلك المصادر القول إن تدريبات عسكرية وتدريبات للدفاع المدني تجرى بصورة متزامنة ومكثفة في كل المناطق الإسرائيلية.
وأضافت أن قيادة الجبهة الداخلية تجري يومياً تمرينات لتشغيل صفارات الإنذار وتمرينات لفحص قدرات قوات الطوارئ في حالات القصف الصاروخي خصوصا في منطقة الوسط أي منطقة تل أبيب وضواحيها.
وأشارت إلى أن السلطة الإطفائية تلقت سيارات إضافية بشكل مفاجيء ، كما تلقى أفراد الطواقم أوامر تلزمهم بإلغاء كل إجازاتهم خلال الأشهر الأربعة المقبلة.
وتابعت المصادر ذاتها ” جرت تدريبات أيضا على احتمال هجوم بصواريخ بيولوجية على قلب إسرائيل وتزامن ذلك مع إعلان السلطات تزويد كل السكان بكمامات واقية خلال النصف الثاني من هذا الشهر بعد أن جمعت كل الكمامات قبل عدة سنوات بحجة عدم الحاجة إليها أو وجود أي تهديد كيماوي”.
وأضافت ” سلاح الجو الإسرائيلي يواصل التدريبات على قصف مواقع بعيدة المدى إذ أجرى مؤخرا تدريبا لتزويد طائرات “إف 16″ بالوقود في الجو خصوصاً في أجواء معادية وتضمن التمرين افتراض إطلاق صواريخ ومضادات جوية على الطائرات التي تحمل الوقود وهي طائرات من نوع “بوينج 767″ طورها الجيش الإسرائيلي لهذا الغرض”.
واختتمت المصادر السابقة قائلة :” سلاح الجو الإسرائيلي أدخل مؤخرا منظومة القبة الحديدية الدفاعية الجديدة المضادة للصواريخ القصيرة المدى إلى المنطقة الجنوبية وشمالي إسرائيل “.
وبعد يومين من التصريحات السابقة ، خرج قائد القيادة الأمريكية الوسطى ديفيد بتريوس في 11 يناير ليكشف على الملأ عن وجود خطط طوارئ أمريكية للتعامل مع منشآت إيران النووية في حال فشل مسار المفاوضات أو العقوبات .
ورغم أن بتريوس رفض الإفصاح عن تلك الخطط ، إلا أنه ذكر أن الجيش الأمريكي نظر في الآثار المترتبة على أي إجراءات قد تتخذ ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية .
وأضاف ” سيكون من الاستهتار أن لا ننظر في كافة السيناريوهات المحتملة لوضع خطط طوارئ مختلفة” ، وأشار إلى أن إيران عززت المواقع النووية والأنفاق الأرضية ، واختتم قائلا :” إنها رغم ذلك غير محصنة ضد القنابل ، بالتأكيد من الممكن قصفها، مدى فعالية ذلك يختلف باختلاف الجهة التي ستنفذ ذلك ، ونوعية الذخائر التي لديهم” .
المنظومة الدفاعية
مناورة للجيش الإسرائيلى
وبعد 11 يوما من التصريحات السابقة وتحديدا في 22 يناير ، تحدث بتريوس علانية خلال مؤتمر في “معهد دراسة الحرب” في واشنطن عن نشر منظومة دفاعية متطورة في منطقة الخليج لمواجهة أي هجوم عسكري إيراني محتمل ، قائلاً :” إن دول الواجهة في الجانب الآخر من الخليج تنظر إلى إيران باعتبارها تهديداً خطيراً للغاية”.
وسرعان ما كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية في 31 يناير أن الإدارة الأمريكية بدأت في نشر بوارج حربية مزودة بمنظومات مضادة للصواريخ قبالة سواحل إيران ، كما بدأت في نشر منظومات دفاعية متطورة في أربع دول عربية خليجية على الأقل ، تحسباً لهجوم محتمل قد تشنه إيران على المنطقة.
وأضافت الصحيفة ” واشنطن نشرت سفنا متخصصة قبالة السواحل الإيرانية ، فضلا عن سفن حربية أعدت لإطلاق صواريخ متوسطة المدى لاعتراض الصواريخ الإيرانية خاصة صاروخ شهاب 3 “.
ونقلت الصحيفة عن مصادر عسكرية أمريكية القول : ” حتى الآن وافقت أربع دول عربية على نشر بطاريات صواريخ وهي قطر والإمارات والبحرين والكويت” ، موضحة أن تسريع نشر المنظومات الدفاعية يتزامن مع بلوغ سياسة إدارة أوباما تجاه طهران نقطة تحول حاسمة بعد فشل المساعي الدبلوماسية في إقناعها بالتخلي عن برنامجها النووي.
قوة الواجب
وبالتزامن مع ما نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” ، أعلنت القوات البحرية المتعددة الجنسيات في الخليج “قوة الواجب” في 31 يناير أنها نفذت على مدى أكثر من أسبوع مناورات شاركت فيها سفن تابعة لعدة دول غربية وخليجية بهدف التدريب على “عدة سيناريوهات” لتعزيز الدفاع عن البنية التحتية لمختلف قطاعات الاقتصاد والطاقة .
ونقلت شبكة “سي ان ان” الإخبارية الأمريكية عن بيان للقوة التي تعمل انطلاقاً من البحرين ، مقر الأسطول الأمريكي الخامس ، القول إن التدريبات استمرت 11 يوماً وشاركت فيها 22 سفينة من بريطانيا وقطر والإمارات والبحرين والسعودية وفرنسا والولايات المتحدة وهي ترمي إلى “تطوير القدرات الإقليمية” لحماية البنية التحتية في منطقة الخليج الغنية بالنفط.
وأضاف البيان أن التدريب على حماية المنصات النفطية ، التي تشكل مصدر دخل كبير للمنطقة ، جرى عبر اختبار مجموعة من الوضعيات المحتملة لضمان “بقاء كافة الوحدات على أهبة الاستعداد الكامل للتصدي لأي معتد محتمل في المنطقة” .
وأشار إلى أن السفن المشاركة نفذت تدريبات تتراوح بين الأعمال العسكرية القتالية وفي مقدمتها تنفيذ هجوم وهمي استمر 12 ساعة ضد مجموعة بحرية فرنسية ، وصولاً إلى إجراء مهمات إنقاذ.
وتحدث كيف غاريت أخصائي الشئون الحربية على متن الفرقاطة البريطانية “مونماوث” عن التدريبات ، قائلاً :” إنها كانت فرصة لاختبار مجموعة من السيناريوهات التي قد تواجهنا في الخليج ، وقد سررنا لرؤية تطور قدرات الدول الأخرى المشاركة ” .
تحذيرات إيرانية
تكثيف المناورات العسكرية في المنطقة
ويبدو أن إيران تأخذ التصريحات والتحركات السابقة على محمل الجد ، حيث سارع وزير الدفاع الإيراني أحمد وحيدي للتهديد بأن الأساطيل البحرية الغربية في مياه الخليج ستكون “أفضل أهداف” الجيش الإيراني في حال تعرض بلاده لهجوم إسرائيلي أو أمريكي ، هذا فيما لوح مسئولون إيرانيون آخرون بإغلاق مضيق هرمز الذي تنقل عبره معظم كميات النفط المنتجة في المنطقة إن تعرضت طهران لضربة عسكرية.
وفي السياق ذاته ، دعا رئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني الدول العربية في منطقة الخليج والتي تضم قواعد للقوات الأمريكية إلى عدم السماح باستخدام أراضيها لضرب الجمهورية الإسلامية ، محذراً في الوقت ذاته من تحويل إسرائيل إلى “أرض محروقة” في حال إذا ما أقدمت على مهاجمة بلاده .
ووصف لاريجاني ما تردد بشأن نشر الولايات المتحدة منظومة دفاعية صاروخية في أربع دول عربية تحسبا لهجوم إيراني محتمل بأنه مجرد “استعراض دمى” و”خدعة سياسية” ، قائلا :” هذا استعراض دمى وزعم الولايات المتحدة بأنها تحقق الأمن في المنطقة ليس إلا خدعة سياسية أخرى ، ينبغي أن تدرك الولايات المتحدة أن المشكلة الأمنية الكبرى في المنطقة هي الولايات المتحدة نفسها وكلما زاد تواجدها العسكري في المنطقة كلما زادت التوترات”.
وشدد رئيس مجلس الشورى الإيراني على أن بلاده لم تهدد أي دولة في المنطقة على مدار الواحد وثلاثين عاما الماضية والحرب الوحيدة التي تورطت فيها كانت الحرب التي بدأها العراق بقيادة صدام حسين 1980- 1988 عندما كان مدعوما من الحكومة الأمريكية.
واختتم لاريجاني قائلا : “على دول المنطقة أن تعرف أن هذا التحرك من قبل الولايات المتحدة ليس إلا خدعة سياسية تهدف إلى تبرير وجودها في المنطقة على حساب مصالح دولها “.
استبعاد الحرب
ورغم أن كل ما سبق يرجح احتمال اقتراب المواجهة العسكرية ، إلا أن هناك كثيرين شككوا في حدوث مثل هذا الأمر لعدد من الأسباب من أبرزها مأزق أوباما في العراق وأفغانستان وحاجته لمساعدة إيران في الخروج من الدولتين بشكل يحفظ ماء وجه أمريكا .
أيضا فإن التطورات الأخيرة يبدو أنها لا تخرج عن محاولة من جانب إدارة أوباما للضغط على إيران للتراجع عن موقفها المتشدد فيما يتعلق بأزمة برنامجها النووي ، خاصة بعد فشل واشنطن في إقناع روسيا والصين بفرض عقوبات جديدة عليها .
بل وذهبت صحيفة “الإندبندنت” البريطانية في هذا الصدد إلى أن خطة الإدارة الأمريكية التي تقضي بنشر منظومة دفاعية صاروخية في دول خليجية تحسبا لهجوم إيراني محتمل تكشف فشل مبادرة الرئيس الأمريكي باراك أوباما في وضع العلاقات مع إيران على أساس جديد.
وأضافت الصحيفة ” تلك التحركات الأمريكية تؤكد فشل مبادرة أوباما ، فأصبح يواجه التهديد الحربي بتهديد حربي مماثل بدلا من الثرثرة غير المجدية” .
وطرحت تساؤلا عن الكيفية التي ستنظر بها إيران إلى تلك التحركات وإن كان استعراض العضلات هذا سيكون عامل ردع لها أم أنه سيؤدي إلى نتائج عكسية؟.
وبجانب ما ذكرته “الإندبندنت” ، فقد كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية أن نشر المنظومة الدفاعية يركز على إسرائيل ، حيث تسعى إدارة أوباما عبر تلك الخطوة لطمأنة إسرائيل بأنها موجودة في المنطقة للدفاع عنها ومنعها بالتالي من القيام بضرب المفاعلات النووية الإيرانية بعد أن لوحت مرارا بإمكانية شن هجوم عسكري على إيران إذا لم تحقق العقوبات أهدافها في وقف المشروع النووي الإيراني.
وأضافت الصحيفة أن زيارة مستشار الأمن القومي الأمريكي دينس روس لإسرائيل في 7 يناير كانت تهدف إلى تهدئتها وإطلاع المسئولين الإسرائيليين على العقوبات المخططة ضد إيران.
واختتمت قائلة :” عمليات نشر النظم الدفاعية تهدف أيضا للرد علي الانطباع بأن إيران تتحرك بسرعة نحو التحول لأكبر قوة عسكرية في الشرق الأوسط ولإحباط أي تصعيد لإيران في مواجهتها مع الغرب في حال فرض عقوبات جديدة عليها”.
صفقة سياسية
نجاد وهو يزور منشأة نووية
وبجانب ما سبق ، فقد أشار البعض إلى احتمال أن تكون التطورات الأخيرة تأتي في إطار صفقة ما بين عدد من دول الخليج وواشنطن وليس لها علاقة بأي عمل عسكري .
ففي 7 سبتمبر الماضي ، ذكرت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية أن مسئولين أمريكيين أكدوا أن الولايات المتحدة حصلت على تعهدات من عدد من الدول العربية بالقيام بخطوات تطبيعية متفاوتة تجاه إسرائيل.
وأضافت الصحيفة أن المسئولين لم يذكروا تلك الدول وقالوا إن دولا عربية معينة وافقت على فتح ممثليات إسرائيلية في بلادها ودول أخرى وافقت على منح تأشيرات لرجال الأعمال وسياح إسرائيليين، فيما وافقت أخرى على الارتباط بشبكة الهواتف الإسرائيلية أو السماح للطائرات الإسرائيلية بالتحليق في أجوائها أو الهبوط في مطاراتها.
ورغم أن “هآرتس” لم تكشف عن المقابل الذي ستحصل عليه تلك الدول ، إلا أن صحيفة “نيويورك تايمز” فيما يبدو فسرت الغموض في هذا الصدد عندما أشارت إلى أن نشر المنظومة الدفاعية يهدف لإظهار قوة الردع الأمريكية لإيران وتحذيرها من أي محاولة لشن هجوم في المنطقة وبالذات مهاجمة إسرائيل ، فضلا عن مساندة دول الخليج العربية وتخفيف أعباء محاولة تلك الدول التسلح لمواجهة ما أسمته الصحيفة بالخطر الإيراني .
وسواء تأكد وجود صفقة أم لا ، فإن هناك حقيقة تعرقل أي عمل عسكري أمريكي أو إسرائيلي ضد إيران ألا وهي معارضة مصر والسعودية وتركيا لمثل هذا الأمر بشدة ، ففي 11 يناير ، أكد رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوجان بعد اجتماع عقده مع رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري في أنقرة رفضه بقوة توجيه أية ضربة عسكرية لإيران ، قائلا :” لا نريد عراقا آخر في المنطقة “.
والخلاصة أن مخططات إسرائيل ضد إيران تصطدم بمعارضة دول عربية وإقليمية كبيرة ، بالإضافة إلى غرق أمريكا في العراق وأفغانستان .